النويري
155
نهاية الأرب في فنون الأدب
نصح الإمام على الأنام فريضة ولأهله « 1 » كفارة وظهور قال : فلما أنشده قال الرشيد : أو قد فعل ! ! وعلم أن الوزراء قد احتالوا في ذلك ، قال : فسار الرشيد قاصدا إليه ، وجعل قبل وصوله إلى هرقلة يفتتح الحصون والمدن ويحرقها ، حتى أناخ على هرقلة وهى أوثق حصن وأعزه جانبا وأمنعه ركنا ، فتحصّن أهلها ، وكان بابها على واد ولها خندق يطيف بها ؛ قال : فحدثني شيخ من مشايخ المطوّعة وملازمى الثغور ، يقال له علي بن عبد اللَّه قال حدّثنى جماعة من أهل الثغر : أنّ الرشيد لما حصر أهل هرقلة وألحّ عليهم بالمجانيق والسهام والعرّادات فتح الباب ذات يوم ، فاستشرف المسلمون لذلك ، فإذا رجل من أهلها كأكمل الرجال ، قد خرج في أكمل السلاح فنادى : قد طال مواقفتكم إيانا فليبرز إلىّ منكم رجلان ، ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين ، فلم يجبه أحد ، فدخل وأغلق الباب ، وكان الرشيد نائما فلم يعلم بخبره إلا بعد انصرافه ، فغضب ولام خدمه وغلمانه على تركهم إنباهه ، وتأسّف لفوته ، فقيل له إن الامتناع منه سيغريه « 2 » ويطغيه ، وأحرى به أن يخرج في غد فيطلب مثل ما طلب ، فطالت على الرشيد ليلته وأصبح كالمنتظر له ، فإذا بالباب قد فتح وخرج الرجل طالبا للبراز ، وذلك في يوم شديد الحر ، فجعل يدعو أنه يثبت لعشرين منهم ، فقال الرشيد : من له ؟ فابتدره جلَّة القواد كهرثمة ويزيد بن مزيد وعبد اللَّه بن مالك وخزيمة بن خازم وأخيه عبد اللَّه وداود بن يزيد وأخيه ، فعزم على إخراج بعضهم ، فضّج المطوعة حتى سمع ضجيجهم ، فأذن لعشرين منهم فقال قائلهم : يا أمير المؤمنين ، قوّادك
--> « 1 » في الأغانى ج 17 ص 46 والطبري ج 6 ص 503 : ولأهلها . « 2 » في الأغانى ج 17 ص 46 ( بولاق ) : سيغويه .